صَلْبُ يَسُوع: بين التاريخ، والمصادر، وحدود الإنكار
. المواقف المتنافسة حول حادثة الصلب
تحتل حادثة صلب يسوع موقعًا فريدًا في دراسة التاريخ القديم. فهي في الوقت نفسه ادعاءٌ تاريخي، وركيزةٌ لاهوتية في المسيحية، ونقطةُ إنكارٍ صريح في الإسلام. وعلى خلاف كثير من الأحداث القديمة محلّ الجدل، فإن الخلاف هنا لا يدور أساسًا حول تفسير الحدث، بل حول حدوثه من الأساس.
الاتجاه الأسطوري (Mythicism)
يرى الاتجاه الأسطوري أن يسوع إما لم يوجد أصلًا، أو أن سيرته – بما فيها الصلب – تشكّلت من عناصر أسطورية مستمدة من ديانات أقدم تتحدث عن آلهة تموت وتقوم. وقد انتشرت هذه الأفكار في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، خصوصًا في دراسات المقارنة الدينية المبكرة.
المشكلة الأساسية في هذا الاتجاه ليست دينية بل منهجية. فهو غالبًا:
- يفضّل المقارنات الأسطورية البعيدة زمنيًا على المصادر التاريخية المباشرة.
- يتعامل مع الشهادات القديمة على أنها تلفيق متأخر دون معايير ثابتة.
- يفشل في تفسير سبب ظهور حركة تاريخية مبكرة مرتبطة بشخصية مزعومة غير موجودة.
لهذا السبب، يُعد هذا الاتجاه اليوم هامشيًا جدًا في الأوساط الأكاديمية المتخصصة بتاريخ اليهودية في القرن الأول أو تاريخ الإمبراطورية الرومانية.
الإجماع الأكاديمي التاريخي
في المقابل، يكاد يوجد إجماع بين المؤرخين المتخصصين – بغضّ النظر عن معتقداتهم الشخصية – على أن صلب يسوع حقيقة تاريخية. هذا الإجماع لا يقوم على الإيمان بقيامته أو لاهوته، بل على معايير البحث التاريخي الصارمة: تعدد الشهادات، الاستقلال بينها، وجود شهادات معادية، والانسجام مع السياق السياسي الروماني.
من وجهة نظر تاريخية بحتة، يُعد الصلب أحد أكثر الوقائع ثبوتًا في حياة يسوع، وربما أكثرها ثبوتًا على الإطلاق.
الموقف المسيحي
في المسيحية، يُعد الصلب الحدث المحوري الذي تُفهم من خلاله رسالة يسوع بأكملها. ومع ذلك، لا تقدّم النصوص المسيحية الصلب كحدث غامض أو رمزي، بل كإعدام علني ومهين تم على يد السلطة الرومانية.
المهم تاريخيًا أن هذا الحدث لم يكن مشرفًا ولا متوقعًا لمسيّا يهودي. بل كان صدمة. وحقيقة أن المسيحيين الأوائل لم يحاولوا إخفاء هذه النهاية أو تلطيفها، بل جعلوها مركز إعلانهم، تُعد مؤشرًا قويًا على أنهم ورثوا الحدث ولم يختلقوه.
الموقف الإسلامي
يعترف الإسلام بوجود يسوع (عيسى) كنبي عظيم، لكنه ينفي صلبه. ينص القرآن على أنه لم يُقتل ولم يُصلب، بل شُبّه للناس.
هذا الإنكار لا يقدّم بديلًا تاريخيًا تفصيليًا، بل يقدّم تفسيرًا لاهوتيًا قائمًا على الوحي. وهنا ينشأ توتر حقيقي بين المنهج التاريخي ومنهج الإيمان، إذ لا يدور الخلاف حول معنى الحدث، بل حول وجوده نفسه.
2. مصادر حادثة الصلب ووزنها التاريخي
في البحث التاريخي، لا تُقاس قيمة المصادر بعددها فقط، بل بقربها الزمني، واستقلالها، وطبيعتها، ودوافعها.
المصادر الرومانية
أهم شاهد روماني هو المؤرخ تاسيتوس، الذي يذكر أن يسوع أُعدم في عهد بيلاطس البنطي خلال حكم طيباريوس. تاسيتوس لم يكن مسيحيًا، بل كان ينظر إلى المسيحية بازدراء.
من منظور تاريخي، قيمة شهادته تكمن في:
- عدائه الصريح للمسيحية.
- كتابته من داخل الإدارة الرومانية.
- تحديده الدقيق للإطار السياسي والزمني.
الوزن التاريخي: مرتفع جدًا، لأن الشهادة المعادية المستقلة نادرة ومؤثرة.
المصادر اليهودية
يشير يوسيفوس، المؤرخ اليهودي في القرن الأول، إلى إعدام يسوع. ورغم وجود إضافات مسيحية لاحقة في النص، يتفق معظم الباحثين على أن الإشارة الأساسية إلى الصلب أصلية.
كما تحتوي التقاليد الربانية اللاحقة، المدوّنة في التلمود، على إشارات إلى إعدام يسوع، ولكن بصيغة عدائية. المثير هنا أن هذه النصوص لا تنكر القتل، بل تبرّره.
الوزن التاريخي: متوسط إلى مرتفع، بسبب الطابع الجدلي والعدائي.
المصادر المسيحية المبكرة
أقدم النصوص المسيحية – ولا سيما رسائل بولس – تفترض الصلب كأمر مسلَّم به. بولس لا يحاول إثباته، بل يبني عليه.
الأناجيل، خاصة إنجيل مرقس، تقدّم وصفًا قاسيًا وغير مُجمَّل للصلب: التخلي، السخرية، الإذلال، والتدخل الروماني الواضح.
من حيث المنهج:
- النصوص مبكرة نسبيًا.
- مرتبطة بذاكرة جماعية حيّة.
- تحتوي على عناصر محرجة لا تخدم الدعاية.
الوزن التاريخي: مرتفع فيما يخص الحدث، مع ضرورة الفصل بين الحدث وتفسيره اللاهوتي.
كتابات المسيحيين في القرنين الأول والثاني
يشدّد آباء مبكرون على أن يسوع تألم فعليًا وصُلب جسديًا، ردًا على اتجاهات قالت إن الصلب كان وهمًا. هذه المجادلات تفترض أن الحدث نفسه غير متنازع عليه.
الوزن التاريخي: متوسط، لأنه يؤكد استمرارية الإيمان لا نشأة الحدث.
النص القرآني
يأتي النص القرآني بعد أكثر من ستة قرون من الحدث المفترض. لا يذكر شهودًا، ولا سياقًا تاريخيًا، ولا يناقش المصادر السابقة، بل يقدّم نفيًا مباشرًا مبنيًا على الوحي.
من زاوية البحث التاريخي:
- البعد الزمني كبير.
- التعارض مع مصادر أقدم ومتعددة.
- الاعتماد على إعلان إلهي لا على تحقيق تاريخي.
الوزن التاريخي: ضعيف جدًا، مع الاعتراف بقيمته الدينية داخل الإيمان الإسلامي.
3. كيف يجمع المؤرخون هذه المصادر ويصلون إلى نتيجة؟
عندما تُجمع هذه الشهادات، يظهر نمط متماسك:
- مصادر مستقلة ومتنوعة.
- مصادر معادية ومحايدة.
- توافق مع الممارسات الرومانية المعروفة.
- تفسير بسيط يشرح نشأة الحركة المسيحية.
الصلب كان عقوبة مهينة مخصّصة للمتمرّدين والعبيد. اختراع نهاية كهذه لشخص يُعلَن مسيحًا كان سيقوّض الرسالة بدل دعمها.
لهذا يعتمد المؤرخون على ما يُعرف بـ معيار الإحراج: ما لا يخدم الدعاية غالبًا يكون تاريخيًا.
البدائل – مثل الاستبدال أو الخداع الجماعي – تتطلب افتراضات أكثر وتفسّر أقل. ومنهج التاريخ يفضّل التفسير الأبسط الذي يشرح أكبر قدر من المعطيات.
4. الإشكال المعرفي في إنكار الصلب
الإنكار القرآني لا يطرح مجرد اختلاف تاريخي، بل يثير إشكالًا معرفيًا عميقًا.
إذا افترضنا أن الله جعل الناس يرون حدثًا لم يقع:
- فالحواس الجماعية غير موثوقة.
- والشهادة التاريخية بلا قيمة.
- ولا يعود هناك معيار للتمييز بين الواقع والظاهر.
بهذا المعنى، لا يتأثر التاريخ وحده، بل أساس المعرفة الإنسانية بأكمله. فإذا كان يمكن خداع الجميع في حدث علني، فلا شيء يمنع أن يكون أي حدث آخر وهمًا.
هذا لا يُبطل اللاهوت الإسلامي من داخله، لكنه يجعله غير قابل للاختبار أو التقييم التاريخي. والمنهج التاريخي لا يستطيع العمل داخل إطار يجعل الأدلة عديمة المعنى.
خاتمة
إن صلب يسوع ليس مجرد رواية دينية، بل حقيقة تاريخية مدعومة بشهادات مبكرة، مستقلة، ومتعددة. إنكاره لا ينبع من أدلة تاريخية بديلة، بل من التزامات لاهوتية لاحقة تعمل ضمن منظومة معرفية مختلفة.
ومن منظور تاريخي صرف، تبقى النتيجة واضحة:
يسوع الناصري صُلِب بأمر السلطة الرومانية.